الشيخ المحمودي
414
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وإظهار شخصيات معانديهم ، أعظم من كلّ قربة ورشاد . هذا كلّه بالنسبة إلى صاحب الكتاب ، وأمّا الكتاب ومطالبه فعند أعداء أهل البيت عين الكفر والإلحاد ، ولأجله كان في أغلب الأعصار ، مخزونا عند أهله لا يطمثه إنس ولا جان ، كلّ ذلك خوفا من القتل والاستئصال وهتك الحرمات ، واسترقاق البنين والبنات . وهذه الأمور من الأسباب العادية للتلف ، ومحق بعض الحقائق ، لا سيّما في العصور القديمة الّتي كانت الكتب فيها غير مطبوعة ، ولذا شنّت غارات الحوادث على جلّ كتب المتقدّمين من علماء الإمامية ، فكم من صحائف مكرمة قد أكلتها دوابّ الأرض ، وكم من زبر معظمة قد أغرقتها الأمطار فمحتها من صفحة الوجود ، وكم من حقائق مرقومة قد جنت عليها أيادي الظالمين وأعدآء الدّين بالحرق والغرق ، والتمزيق والسحق ، ومحوها بالبزاق والبصاق ! ! فلولا عناية الباري بحفظ دينه ، وآثار أوليائه ، لأصبحت تلك الآثار اسما بلا مسمّى ، كالعنقاء . أضف إلى جميع ما ذكرنا السهو والنّسيان ، وهو ما لا يخلو منه أحد ، حتّى قيل : إنّه طبيعة ثانوية ، وقيل : الإنسان مجبول على السهو والنّسيان : فأيّ محقّق في صنعته لم يصدر منه في أموره خطأ أو سهو أو نسيان ، وأيّ ذي عناية في عمل من الأعمال ، لم يبتل بالغفلة والذهول ، وأيّ كاتب لم يبدل العقول بالبقول ، والفصول بالفضول ؟ ! والحاصل إنّ سليم بن قيس الهلالي رحمه اللّه ، من أعيان الطائفة ، وكتابه من الأصول المعتبرة ، وحسبك شاهدا على بروزه وكونه من أولياء أمير المؤمنين عليه السّلام ، موته في ديار الغربة وهو خائف يترقّب ، ومرعوب وجل ، مع أنّه لو كان مريدا للدّنيا ، ويروقه التقرب إلى سلاطين زمانه ، وطواغيت أيامه أمثال أبي هريرة ، وسمرة بن جندب ، ومن على شاكلتهما - لكان متمكنا بشتّى الوسائل من التقرّب إليهم ، وهضم حلواهم ، ولبس زيّهم ، وأكل فريستهم ، لأنّ الملوك وآكلي أموال النّاس بالباطل ، في حاجة شديدة إلى التشبث بأهل العلم والصلاح ،